لا تزال حرية الصحافة في العالم العربي تمثّل حلماً يتجدد ووجعاً يتراكم في وقت واحد. فبينما شهدنا في السنوات الأخيرة نمواً لافتاً في عدد المنصات الإعلامية الرقمية والمدونين المستقلين والصحفيين المواطنين الذين كسروا احتكار المؤسسات التقليدية على الخطاب الإعلامي، تصاعدت في المقابل أشكال القيود والمضايقات بأساليب أكثر تطوراً وتنوعاً تشمل قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية وتشريعات أمن المعلومات التي يجري توظيفها أحياناً لتكميم أفواه الصحفيين والناشطين الرقميين.
التحدي المزدوج الذي يواجهه الصحفي العربي اليوم فريد من نوعه في تاريخ المهنة: فهو يعاني من ضغوط الأنظمة الرسمية من جهة، ومن ضغوط منصات التواصل الاجتماعي الدولية العملاقة من جهة أخرى، وكلاهما يملك أدوات للتحكم في ما يصل وما لا يصل من المحتوى الصحفي إلى الجمهور. أضف إلى ذلك الضغوط الاقتصادية الهائلة على المؤسسات الإعلامية التي باتت مُضطرة للموازنة بين متطلبات المهنة ومتطلبات البقاء المالي في بيئة إعلانية متقلبة وصعبة.
ما يمنحني الأمل رغم كل هذا القتام، هو ظهور جيل جديد من الصحفيات والصحفيين العرب المسلحين بأدوات رقمية جديدة وبإصرار لافت على ممارسة المهنة بنزاهة وشجاعة رغم كل العقبات. هؤلاء الشباب الذين يتعلمون التحقق من المعلومات والصحافة الاستقصائية وحماية مصادرهم رقمياً، يمثلون رأس حربة تغيير حقيقي في المشهد الإعلامي العربي. هم يعرفون أن الثمن قد يكون باهظاً، لكنهم يختارون طريق الحقيقة بوعي كامل.
إن الرهان على مستقبل حرية الصحافة في منطقتنا لا يرتكز فقط على إصلاح القوانين وتحسين البيئة التشريعية، رغم أهمية ذلك بالطبع، بل يرتكز أساساً على بناء ثقافة مجتمعية تُقدّر الخبر الموثوق وتُميّز بين الصحافة الحقيقية والدعاية، وتدرك أن حرية الصحفي في نهاية المطاف هي حرية المواطن في المعرفة والمحاسبة والمشاركة في صنع مجتمعه.